الآلوسي

22

تفسير الآلوسي

لا يعلمه غيره تعالى الكيفيات والمزايا التي بها الإعجاز والتحدي ، وذكر عدم قدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السياق وإلا فالمذكور في النظم الكريم العلم دون القدرة ، وقيل : ذاك لأن نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم ، والجملة الشرطية داخلة في حيز القول وإيراد كلمة الشك مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة من يدعونه تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل ، وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق بالدعاء المسبوق بتعجيزهم واضطرارهم فكأنه قيل : فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاعت عليكم الحيل وعيت بكم العلل * ( فاعلموا ) * الخ أو من حيث أن من يدعونهم إلى المعارضة أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عجز أنفسكم يكون عجزهم أظهر وأوضح . وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن لا إشكال في الآية ، ومما يقضي منه العجب قول العز بن عبد السلام في أماليه : إن ترتيب هذا المشروط يعني العلم على ذلك الشرط يعني عدم الاستجابة مشكل ، وكذا قوله سبحانه : * ( أنزل بعلم الله ) * مشكل أيضاً إذ لا تصلح الباء للسببية إذ ليس العلم سبباً في إنزاله ولا للمصاحبة إذ العلم لا يصحبه في إنزاله ، وأن الجواب أنه ليس المراد بالعلم إلا علمنا نحن ، وأضيف إليه عز وجل لأنه مخلوق له تعالى ، ونظير ذلك ما في قوله جل وعلا : * ( ولا نكتم شهادة الله ) * ( المائدة : 106 ) حيث أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبار أنه تعالى شرعها ، والقرآن قد نزل بأدلة العلم بأحكام الله تبارك اسمه ، فعبر بالمدلول عن الدليل ، والتقدير * ( فاعلموا أنما أنزل ) * مصحوباً بانتشار علم الأحكام ، وهي الأدلة ، ولا شك أنه يناسب إذا عجزوا عن معارضته أن يعلموا أن هذه الآيات أدلة أحكام الله تعالى انتهى ، وليت شعري كيف غفل هذا العالم الماهر عن ذلك التفسير الظاهر ، ولعله كما قيل : من شدة الظهور الخفاء * ( وَأَن لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ ) * أي واعلموا أيضاً أنه تعالى المختص بالألوهية وأحكامها وأن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة له تعالى في ذلك * ( فَهَلْ أنتُم مُّسْلمُونَ ) * أي داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة شبهة في حقيته وفي بطلانه ما أنتم فيه من الشرك ، فيدخل فيه الإذعان بكون القرآن من عند الله تعالى دخولاً أولياً ، أو منقادون للحق الذي هو كون القرآن من عند الله تعالى وتاركون ما أنتم عليه من المكابرة والعناد ، وفي هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال المانع ، ولهذا جئ بالفاء ، وفي التعبير - بمسلمون - دون تسلمون تأييد لما يقتضيه ترتيب ما ذكر على ما قبل بها من وجوبه بلا مهلة ، قيل : وفي ذلك أيضاً إقناط لهم من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله تعالى شأنه وعز سلطانه ، وجوز أن يكون الضمير في * ( لكم ) * للرسول صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده أنه جاء في آية أخرى * ( فإن لم يستجيبوا لك ) * ( القصص : 50 ) ، وروي ذلك عن مجاهد ، وكان المناسب للأمر بقل الإفراد لكنه جمع للتعظيم ، وهو لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضى ، ومن ذلك : وإن شئت حرمت النساء سواكم والجملة غير داخلة في حيز القول بل هي من قبله تعالى للحكم بعجزهم كقوله سبحانه : * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) * ( البقرة : 24 ) وعبر بالاستجابة إيماءً إلى أنه صلى الله عليه وسلم على كمال الأمن من أمره كأن أمره عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه ، ويجوز أن يكون الضمير له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي ، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم أن لا ينفكوا عنه